ثانوية ساردو عبد القادر برج بونعامة الونشريس
ثانوية ساردو عبد القادر برج بونعامة الونشريس

منتدى تربوي تعليمي ترفيهي لطلاب الثانوية
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 على مشارف فلسطين ( وقعة أجنادين )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
youyou17



ذكر
عدد الرسائل : 2077
العمر : 25
تاريخ التسجيل : 12/05/2009

مُساهمةموضوع: على مشارف فلسطين ( وقعة أجنادين )   الثلاثاء 25 أغسطس 2009, 03:03

لم يمض على استخلف أبي بكر الصديق رضي
الله عنه أيام حتى وجد الجزيرة العربية تعج بالخارجين عليه ، يحركهم كل
طامع في الدنيا أو حاقد على الإسلام ممن تظاهروا بالدخول في طاعة رسول
الله صلى الله عليه وسلم طمعا في عطائه أو مجاراة لانتصاراته التي أبهرت
الجميع ، ولكنه رضي الله عنه لم يضطرب لذلك ، بل لم تهتز له شعرة ـ إن صح
التعبير ـ وأنى له ذلك وقد عايش الإسلام من بزوغ شمسه ، ورأى تأييد الله
لكل من اعتنق ـ عن صدق ـ هذا الدين ؟!!..

وإنما جمع من حوله من الثابتين على الدين يحطوهم ويرعاهم كما كان يحطوهم
رسول الله من قبل ، فثبتوا بثباته ، واقتدوا به في يقينه وشجاعته ، فكون
منهم السرايا والكتائب وبثها في كل مكان من جزيرة العرب ، فلم يمض سوى عام
واحد حتى دان كل سكان الجزيرة العربية لطاعته ، لا يشذ عن أمره رجل واحد
...

ووجد حكام وملوك الأمم المجاورة من روم وفرس أن العرب صارت على غير العادة
تجمعهم دولة واحدة ، لم تفلح في هز أركانها تحريضاتهم ومساعداتهم للقبائل
العربية المتاخمة لهم في الظاهر والباطن ، وأنه لا مناص من التدخل بقواتهم
هم للقضاء على تلك الدولة الناشئة قبل أن تزاحمهم في بلدانهم ، خاصة بعد
أن علموا من الرسائل التي أوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن
الدين الذي قامت تلك الدولة على أركانه تتلخص غايته في تحرير الناس من
العبودية لغير الله سبحانه وتعالى ، وهذا أشد ما يخافه الملوك ..

وكان الروم أول من سارع إلى ذلك ، ولا عجب ، فقد كانت لهم جولات ثلاث مع
المسلمين من قبل ( في مؤتة وتبوك وبعث أسامة ) لم يروا فيها من المسلمين
غير البأس الشديد ، فشرعوا في تجييش الجيوش وتعبئة قواهم لهذا الأمر ، لكن
خبر استعدادهم قد سبق تحركاتهم إلى أبي بكر الصديق بالمدينة ، وجاءه في
الوقت الذي كانت الجيوش الإسلامية تهم بالرجوع إلى أوطانها بعد أن أخمدت
نيران الردة ، وهمّ كل صاحب عمل بالعودة إلى عمله ...

فلم يتمهل عند مجيء الخبر ، ولم يمهل من معه من أصحاب الرأي في حكومته ،
إذ علمته الأيام أن يسابق الزمن ، فكتب إلى قادة جيوشه قبل أن يوافوه
بالمدينة راجعين أن يتوجه كل منهم بجيشه ناحية الشام ، وأما من عاد منهم
إلى عمله فأرسل إليه يتلطف به ليلحق بهؤلاء القادة ..

فكتب إلى عمرو بن العاص أني قد كنت رددتك إلى العمل الذي كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة وسماه لك أخرى ، وقد أحببت أبا عبد الله أن
أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك ، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك
، فرد عليه عمرو أني سهم من سهام الإسلام ، وأنك بعد الله الرامي بها
والجامع لها ، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئا إن جاءك من ناحية
من النواحي ، وكتب إلى الوليد بن عقبة نحو ذلك ، فأجابه بإيثار الجهاد .

وحدد رضي الله عنه لكل قائد الجهة التي يقصدها بالشام ، وفي نفس الوقت لم
يترك جبهة العراق فارغة فيباغته الفرس من الشرق ، وإنما بعث إليها نفرا من
القادة بجيوشهم ؛ ليشغلوهم عن التعاون عليه مع الروم ، وليبدءوا في فتح
أقطارها ...

ثم قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال : ألا إن
لكل أمر جوامع ، فمن بلغها فهى حسبه ، ومن عمل لله كفاه الله ، عليكم
بالجد والقصد ، فإن القصد أبلغ ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له ، ولا
أجر لمن لا حسبة له ، ولا عمل لمن لا نية له ، ألا وإن في كتاب الله من
الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به ، هي
التجارة التي دل الله عليها ونجى بها من الخزي ، وألحق بها الكرامة في
الدنيا والآخرة ..

ثم خرجت طلائع الجيوش الإسلامية إلى الشام بقيادة خالد بن سعيد بن العاص
الذي أمره أبو بكر بأن ينزل تيماء ، وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه ،
وأن لا يقبل المشاركة في الجهاد معه إلا ممن لم يقع في فتنة الردة ، ولا
يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره ، فأقام خالد كما أُمر حتى اجتمع إليه
جموع كثيرة من الراغبين في ثواب الجهاد .؟.

وبلغ الروم ذلك فضربوا على العرب الضاحية البعوث لينضموا إليهم ، فكتب
خالد بن سعيد إلى أبى بكر يعلمه بذلك ، وبنزول من استنفرت الروم ونفر
إليهم من عرب بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان ، فكتب إليه أبو
بكر أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله ، فسار إليهم خالد ، فلما دنا منهم
تفرقوا وأعروا ( خلوا ) منزلهم ، فنزله فاتحا ثم كتب إلى أبى بكر يعلمه
بذلك ، فرد عليه أن أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك ..

فسار حتى نزل فيما بين آبل وزيزاء والقسطل ، فسار إليه بطريق من بطارقة
الروم يدعى باهان فهزمه خالد وكتب بالنصر إلى أبى بكر ، وطلب منه المزيد
من القوات ليواصل فتوحاته ، وقد صادف مجيء كتابه وفود أوائل طلائع
المجاهدين من اليمن ومكة وفيهم ذو الكلاع الذي اشتهر بين قبائل اليمن
بجرأته القتالية ، كما قدم عليه عكرمة بن أبي جهل قافلا وغازيا فيمن كان
معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو ، فسمح لمن أراد منهم الانصراف إلى
أهله واستبدل به غيره ، وكاتب كل قواده ألا يكرهوا أحدا على السير معهم
للجهاد ، فسمى ذلك الجيش بجيش البدال ، وبعد الإعداد أرسلهم على الفور
ردءا لخالد بن سعيد ..

وصلت مقدمة جيش البدال إلى خالد بن سعيد فازداد ثقة دفعته لأن يتوغل في
بلاد الشام ، ناسيا نصيحة أمير المؤمنين له : " أقدم ولا تقتحمن حتى لا
تؤتى من خلفك " وأعرى ظهره ، وبادر بقتال الروم فتراجع باهان بجمعه فأرز
هو ومن معه إلى دمشق ، مما شجع خالدا على الاقتحام بجيشه في أثره ومعه ذو
الكلاع وعكرمة والوليد بن عقبة حتى إذا نزل مرح الصفر من بين الواقوصة
ودمشق انطوت عليه مسالح باهان ، وأخذوا عليه الطرق وهو لا يشعر ، وزحف له
باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطره في الناس فقتلوهم ، وأتى الخبر
خالدا فارتبك وخرج هاربا في مجموعة من الجنود ، وأفلت من أفلت من أصحابه
على ظهور الخيل والإبل ، وكادت تحل على الجيش الهلكة لولا أن عكرمة قام في
الناس ردءا ورد عنهم باهان وجنوده ..

وصلت أنباء هزيمة خالد بن سعيد إلى أبي بكر الصديق فكتب إليه يؤنبه على
تسرعه في الاقتحام وعدم الاستماع لنصيحته ، وعلى فراره من ساحة القتال ،
وأمره ألا يعود بمن معه إلى المدينة فيفت ذلك في عضد المسلمين ، وينشر
الفزع في قلوب المستعدين للخروج إلى الجهاد بالشام ، وكانت سياسته رضي
الله عنه تقوم على إبعاد كل ما من شأنه إضعاف الروح المعنوية لديهم ..

وبعد مشاورات عاجلة مع أصحاب الرأي في مجلس حكومته بدأ يغير من تكتيكاته
العسكرية التي سبق أن أعدها لردع الروم بالشام ، فكتب إلى قواده أن
يجتمعوا للروم في زحف واحد بدلا من أن يقاتلوهم في ساحات عدة ..

وكان من قبل قد انتدب عمر بن العاص لفلسطين وأمده ببعض من انتدب إلى من
اجتمع إليه ، وأمره بطريق سماها له ، وأوصاه قائلا ".. اسلك طريق إيلياء
حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه، وإياك
والوهن، وإياك أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به،
واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر، فأكرمهم واعرف حقهم،
ولا تتطاول عليهم بسلطانك.. وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك،
والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها، واحذر عدوك، وأمر أصحابك
بالحرس، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم..".

وكتب إلى الوليد وأمره بالأردن ، وأمده ببعض من حضر لديه أيضا من
المتطوعين للجهاد ، ودعا يزيد بن أبى سفيان فأمره على جند عظيم ، وجعل
فيهم سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة ، وشيعهم ماشيا ، فقال يزيد : يا
خليفة رسول الله !! أتمشي وأنا راكب ؟؟ فأبى عليه وقال : إني أحتسب خطاي
في سبيل الله ، واستعمل أبا عبيدة بن الجراح على بعض من اجتمع لديه أيضا ،
وأمره على حمص ، وأوصاهم قبل الزحف بقوله : "وإني موصيكم بعشر كلمات
فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تهدموا
بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا
تحرقوا نخلاً ولا تُغرقوه، ولا تعصوا، ولا تجبنوا…"

أقول : اتفق رأي أهل المشورة على أن تجتمع الجيوش المتفرقة بالشام لمجابهة
الروم في ساحة واحدة بعد الهزيمة التي ألحقوها بجيش خالد بن سعيد ، خاصة
بعد أن جاءتهم الأنباء أن هرقل قد خرج إليهم بنفسه ، و نزل بحمص وأعد لهم
الجنود ، وعبأ لهم العساكر ، وأراد إشغال بعضهم عن بعض بكثرة جنده وفضول
رجاله ، حيث أرسل إلى عمرو أخاه تذارق في تسعين ألفا ، وبعث قائدا يسمى
جرجة بن توذرا إلى يزيد بن أبى سفيان بما يقارب ذلك العدد، وبعث ثالثا
يسمى الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة ، وبعث رابعا يسمى الفيقار أبي عبيدة في
ستين ألفا ، في حين أن جميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفا و ستة آلاف مع
عكرمة ..

ووصلت رسالة أمير المؤمنين إلى سائر القادة بعد هذا الرأي " أن اجتمعوا
فتكونوا عسكرا واحدا ، والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين ، فإنكم أعوان
الله ، والله ناصر من نصره ، وخاذل من كفره ، ولن يؤتى مثلكم من قلة ،
وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء
الذنوب ، فاحترسوا من الذنوب ..

وبلغ شأن اجتماعهم هرقل فكتب إلى قاداته أن اجتمعوا لهم ، وانزلوا بالروم
منزلا واسع العطن ، واسع المطرد ، ضيق المهرب ، و ليكن على الناس التذارق
وعلى المقدمة جرجة وعلى مجنبتيه باهان والدراقص وعلى الحرب الفيقار ،
وأبشروا فإن باهان في الأثر مددا لكم ..

وفي منطقة أجناد ين بين الرملة وبيت جبرين سنة ثلاث عشرة من الهجرة كانت
أول وقعة عظيمة بين المسلمين والروم بالشام* حيث التقت الفئتان ودام
القتال بينهم شهرين تقريبا ، حتى إذا أحس المسلمون أنهم لا يقدرون من
الروم على شيء ، ولا يخلصون إليهم لكثرة عددهم كاتبوا أبا بكر رضي الله
عنه بالأمر ، وطلبوا منه المدد ، فكتب إلى خالد بن الوليد بالعراق ليلحق
بهم ، وأمره أن يخلف على المجاهدين بالعراق المثنى **، فجد في الرحيل حتى
التقى بهم ، وبوصوله ارتفعت الروح المعنوية للمسلمين فازدادت جرأتهم على
الروم الذين لم ينفعهم قدوم باهان صاحب النصر السابق على خالد بن سعيد ،
فقد هزمهم الله شر هزيمة ، ومزقهم كل ممزق، وقُتل منهم خلق كثير ، وتحقق
للمسلمين النصر المؤزر ..

وشاء الله أن يكون أول قتيل من الروم هو باهان الذي أوقع الهزيمة من قبل
بخالد بن سعيد ، حيث خرج بكبريائه مبارزا فبرز إليه عبد الله بن المعدنير بن
عبد المطلب فقتله ، ولم يتعرض لسلبه ، ثم برز إليه آخر فاقتتلا بالرمحين،
ثم صارا إلى السيفين، فحمل عليه عبد الله بن المعدنير فضربه وهو دارعٌ على
عاتقه، وقال: خذها وأنا ابن عبد المطلب فقطع بسيفه الدرع وأسرع في منكبه،
ثم ولّى الرومي منهزماً ، فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز خشية وشفقة
عليه من القتل ، إذ لم يمكن قد تجاوز الثلاثين من عمره ، فقال عبد الله :
إني والله ما أجدني أصبر.

وانتهى خبر الوقعة إلى هرقل وهو بحمص فمُلئ رعباً وهرب منها إلى
إنطاكية ، حيث لم تفلح جيوشه مجتمعة أو متفرقة في التصدي لجيش من المسلمين
لا يصل تعداده 30 ألفا ..

وأما من نجا من جنوده ففروا إلى إيليا وقيسارية ودمشق وحمص فتحصنوا فيها..

وفور انتهاء القتال كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر رضي الله عنهما يقول:
أخبرك أيها الصديق أنا لقينا المشركين وقد جمعوا لنا جموعاً جمة بأجنادين
، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم ، وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يفنونا أو
يخرجونا من بلادهم ، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين عليه، فطاعناهم
بالرماح شيئاً ، ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها ، ثم إن الله أنزل نصره
وأنجز وعده ، وهزم الكافرين ، فقاتلناهم في كل فج وشعب وغائط ، فالحمد لله
على إعزاز دينه وإذلال عدوه ، وحسن الصنع لأوليائه والسلام ( ونص الرسالة
في الروض المعطار في خبر الأقطار - ج 1 / ص 12)..

وقد يعجب القارئ لهذا النصر الذي تحقق للمسلمين يوم أجنادين رغم عدم تكافئ
كفتي المسلمين والروم في العدد أو العدة ، ولا حتى في الإلمام بطبيعة
المنطقة التي جرى فيها القتال ، إذ كان الروم وحلفاؤهم ملمين بتداريسها
ووهادها ووديانها ، ولكن هذا العجب يزول عندما نتعرف على صفات من خاض
غمارها من المسلمين ، يقول عروة بن المعدنير : لما تدانى العسكران بعث
القبقلا ( أحد قادة الروم ) رجلاً عربياً من قضاعة، يقال له ابن هزارف
فقال: ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوماً وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال:
فدخل في الناس كرجل عربي لا ينكر ؛ فأقام فيهم يوماً وليلة، ثم أتاه فقال
له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم
قطعوا يده ؛ لإقامة الحق فيهم ، فقال له القبقلار: لئن كنت صدقتني لبطن
الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها ، ولوددت أن حظي من الله أن يخلى بيني
وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصرهم علي.

وهذا العجب يزول أيضا عندما يقرأ وصية أبي بكر الصديق لهؤلاء المجاهدين
قبل تحركاتهم ، حيث قال لهم : " أوصيكم بتقوى الله عز وجل ، لا تعصوا ولا
تغلوا ، ولا تجبنوا ، ولا تهدموا بيعة ، ولا تعزقوا نخلا ، ولا تحرقوا
زرعا ، ولا تعقروا بهيمة ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تقتلوا شيخا كبيرا
، ولا صبيا صغيرا ، وستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم للذي حبسوها فذروهم
وما حبسوا أنفسهم له ، وستجدون أقواما قد اتخذت الشياطين أوساط رؤوسهم
أفحاصا ( كشعار على معصيتهم كما تفعل بعض الطوائف في العصر الحديث )
فاضربوا على أعناقهم ، وستردون بلدا يغدو ويروح عليكم فيه ألوان الطعام ،
فلا يأتيكم لون إلا ذكرتم اسم الله عليه ، ولا ترفعوا لونا حمدتم الله عز
وجل عليه "..

وإن هذا العجب ليزول عندما يعرف القارئ أن أبا بكر رضي الله كان يودع تلك
الجيوش الغازية ماشيا على رجليه ساعات وهو يقول : إني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول :" من اغبرت قدماه في سبيل الله عز وجل حرمهما الله
على النار " ..

وإن هذا العجب ليزول عندما يعرف القارئ أن الرجل الواحد من المسلمين كان
يتصدى بمفرده لزحوف الروم متترسا أمامهم بجسده كما حصل مع هشام بن العاص ،
إذ ذكر عنه أحد الصحابة أنه : لما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهَوا إلى
موضعٍ لا يعبره إلاّ إنسانٌ إنسانٌ، فجعلت الروم تقاتل عليه ، وقد تقدموه
وعبروه ، فتقدم هشام بن العاص وصار يقاتلهم ويقول : يا معشر المسلمين إن
هؤلاء القلفان لا صبر لهم على السيف فاصنعوا كما أصنع ، وجعل يدخل وسطهم
ويقاتلهم حتى قُتِل، فوقع على تلك الثلمة فسدّها..

فلما انتهى المسلمون إليها واحتاجوا للعبور مسرعين لم يجدوا فرصة
لانتشاله ، وهابوه أن يُوطِئوه الخيل، فقال عمرو بن العاص: أيها الناس إن
الله قد استشَهَدَه ورفع درجتَه وإنما هو جُثّة، فأوطئوه الخيل، ثم أوطأه
هو وتابعه الناس حتى قطعوه، فلمّا انتهت الهزيمة ورجع المسلمون إلى العسكر
كرّ عليه عمرٌو، فجعل يجمع لحمه وعظامه وأعضاءه وحمله في نطعٍ وواراه
(الوافي بالوفيات :ج 7 / ص 416)..

وفي رواية أخرى أنه رأى من المسلمين بعض النكوص عن عدوهم ألقى المغفر عن
وجهه ، وجعل يتقدم في نحر العدو وهو يصيح: يا معشر المسلمين إلي إلي، أنا
هشام بن العاص، أمن الجنة تفرون؟ ..

وهذا العجب يزول عندما يعرف القارئ أن المرأة المسلمة كانت تنشغل بأمر
الغزو انشغالا لا يقل عن شأن الرجال ؛ لدرجة أن أم حكيم زوج عكرمة بن أبي
جهل لما استشهد زوجها وتقدم آخر للزواج بها بعد اكتمال عدتها أبت أن يدخل
بها إلا بعد تحقق النصر للمسلمين في تلك الغزوة ، فلما استشهد ولحق بعكرمة
لم تجد سوى عمود خيمتها لتحمله وتدق به رءوس المشركين من الروم ، حتى قتلت
منهم سبعة بمكان ما زال يعرف إلى اليوم بِقَنْطَرَةِ أُمّ حَكِيمٍ ..

وإن العجب ليزول حين يعرف القارئ السر في عجز المسلمين عن صد اعتداءات
عدوهم فضلا عن تحقيق أي نصر عليهم ، حيث تخلوا حكاما ومحكومين قادا وجندا
عن القيم والمبادئ والسنن التي جلبت النصر لأسلافنا ..

ــــــــــــــــــــــــــــ

* هذا استنادا على قول الواقدي : كانت أول وقعة بين المسلمين والروم
أجنادين وكانت في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصديق .

** بعض المؤرخين يذكر أن خالدا لم يشترك في تلك المعركة ، وأن الأمراء
المسلمين بأجنادين كانوا أربعة فقط: عمرو بن العاص وأبو عبيدة ويزيد بن
أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة كل على جنده وقد قيل: إن عمرو ابن العاص كان
عليهم جميعاً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
على مشارف فلسطين ( وقعة أجنادين )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ثانوية ساردو عبد القادر برج بونعامة الونشريس :: منوعات :: الموسوعة الإسلامية-
انتقل الى: